تقطيع وجوه المشاهير .. والإنتماء للفن الشعبي


الحصان عنصر من غلاف كتاب حكايات حارتنا بريشة الفنان بهجت عثمان / تصميم :إسلام علام

من المعلومات التى ظلت فى ذهنى من أيام الدراسة، وأتذكرها بين حينٍ وآخر هو حديث مُعلمة التربية الفنية عن الفن الشعبي،
 كنت حينها على ما أذكر فى مرحلة الدراسة الإعدادية، ولظروف خارجة عن إرادتى حضرت حصة التربية الفنية،
 وكانت أول وآخر مرة لى حضور هذه الحصة.أتذكر حديثها بشكل مجمل خالى من التفاصيل عن الفن الشعبي، ولكن أتذكر جيدًا ملامحها وهى تتحدث بكل شغفِ وتقدير لهذا الموضوع، وحماسها وهى تحكى لنا عن تاريخ الفن الشعبي رغم خلو الفصل
 من الطلاب باستثنائي أنا وطالب آخر تواجدنا بسبب مرضنا.. ! لا تحمل ذاكرتي معلومات تفصيلية عن هذا الحديث سوى نقطيين ..
الأولى: جزء فى تعريف الفن الشعبي، وهو أن الفن الشعبي فن الحياة، ويتعامل مع التعاملات والظروف الحياتية للشخص.
 أما النقطة الثانية فهي: وجود الكثير من الفنانين والذين استلهموا أعمالهم الفنية من الفن الشعبي.

بعد تداول وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي بين مختلف أفراد المجتمع عقب ثورة 25 يناير أصبح مع الوقت أداة حياتية، كثير من الناس يعتمد عليها فى جوانب الحياة المختلفة كالتعبير عن الرأي، مصدر للمعلومات، نشر أعمال فنية بمختلف الانواع والاتجهات، مصدر لأكل العيش….الخ.من ضمن هذه الاعتمادات هو الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعى كأداة للسخرية والتعقيب بشكل هزلى عن الأحداث الاجتماعية والساسية التى تحدث فى المجتمع فى شكل صور يعرفها عموم الناس بـ الميمز (memes) او (الكوميك) ، بسبب تعود الناس على هذه المادة البصرية فقد أصبحت مألوفة لهم بشكل تدريجى وتصاعدي فى السنوات الأخيرة فتم استخدمها فى أشكال متنوعة بعيدًا عن استخدمها المعتاد. فعلى سبيل المثال نرى شركة من الشركات الكبرى تنفذ حملة دعائية رقمية على منصات التواصل الاجتماعى مبنية على هذا النوع من المادة البصرية.




مع الموقت بدأ ذهني بشكل تلقائي بالتفكير وربط هذا النشاط الافتراضي الرقمي وانتشاره وماهية استخدامه المتنوعة بما سمعته فى الصغر عن الفن الشعبي

أصبحت برامج تركيب وتعديل الصور، وبالاخص برنامج فوتوشوب أداة متداولة فى الفترة الاخيرة. فنرى مصمم جرافيك يقوم بعمل فنى رقمي باستخدام برنامج فوتوشوب ويحصل على جائزة من مؤسسة فنية تكريمًا لهذا العمل، وفى الاتجاه المقابل نرى شخص غير مختص يقوم ايضًا باستخدام برنامج فوتوشوب ويقوم بالبحث فى يوتيوب عن “كيفية تركيب وش على جسم بالفوتوشوب” فيتتبع خطوات التنفيذ فيأتى بوجه أحد الشخصيات العامة ويضعه على جسد الممثل عادل إمام فى أحد مشاهده الشهيرة، ويكتب على الصورة التعليق المناسب لهذا المشهد ساخرًا من أحد مواقف هذه الشخصية العامة؛

أو استخدامها فى التعبير عن موقف آخر.ومنهم من يكتفى فقط بصورة من مسلسل أو فيلم أو إعلان متداول ومعروف للغالبية ويكتب عليها تعليق تعبيرًا عن موقف اجتماعى أو سياسي ما مُتداول تُعبر عنه الصورة والتعليق المُصاحب لها. وبذلك اصبح انتاج هذا المحتوى ليس مقتصر فقط على المختصين وانما اصبح متداول بين العامة كاداة للتعبير عنهم فاصبح محتوى من الناس للناس ،

يعتبر بعض الممتهنين لمجال التصميم الجرافيكي والفن الرقمي أن تداول برامج مثل فوتوشوب أو غيره، وكل من هب ودب أصبح يستخدمه يقلل من قيمة وسمعة وأهمية هذا المجال ومن يمتهنه ولكن أنا أرى عكس ذلك فهذا التداول بمختلف أشكاله وإعطاء حرية لغير المختصين بالتعامل معه سيتيح فرصة أكبر مع الوقت لكثير من الناس ان تألف وتفهم المادة البصرية الرقمية، وخاصاً الاشخاص الغير متفهين للوظائف المستحدثة نسبياً فى مجتمعاً كالتصميم الجرافيكي,الرسم الرقمي, الرسوميات المتحركة…الخ وغالبية الأعمال والأنشطة التى تعتمد اعتماد كلي على الحاسوب فمازال الجلوس امام الحاسوب يرتبط فى اذهان الكثيرين باللعب وتضيع الوقت فقط وعدم ادراك امكانية ما يمكن انتاجه عبر الحاسوب. فالأداة ثابتة، والذي يعطى القيمة لما يُنتج من خلالها بتنوع نسبة تفسيرها وتقديرها من المتلقي هو إسلوب وإستخدام ودافع الفرد فى إستخدامه لها.

صورة لـ عيد السلواوي أحد فناني رسومات الحج / مصدر: اليوم السابع

كثير من الفنانين على سبيل المثال لا الحصر عبد الهادى الجزار,حلمى التونى,ناظم الجعفرى،سيد عبد الرسول,مخلد المختار وكثيرون قاموا بإنتاج أعمال فنية مضمونها الفن الشعبي منها اعمال كانت تتناول الحياة اليومية وتفاصيلها للفرد الشعبي وأعمال تتناول قصص،حكايات شعبية،قناعات وثقافة خاصة بقطاع واسع من المجتمع الذي ينتمى اليه الفنان ،اعطى الفن الشعبي ما قدمه هؤلاء الفنانين من محتوى بصري التميز والأُلفة للمتلقيين من عموم الناس الذين هم فى الاساس نواة الفن الشعبي فكان فن من الناس للناس.

وعلى الجانب الآخر فهناك ايضاً فنانون قاموا بتجارب مختلفة مستوحاه من المادة البصرية الرقمية للميمز ويحضرنى حاليًا تجربة الفنان هانى راشد فى معرض (اساحبي) والذي كانت أغلب أعماله مستوحاه من صور وأشكال الكوميك –وعلى وجه الخصوص صورة لاعب كرة السلة الصيني (ياو مينغ)

ومن هنا نستطرد بسؤال: هل تندرج هذه الأنواع من الصور الرقمية كجزء من معنى ومفهوم وخصائص الفن الشعبي الواسعة والمتعددة؟ وهل وجود تأثير مشابه لها كأداة للتعبير فى مختلف المجتمعات يجعل منها نوع من انواع الفن الشعبي البصري فيمكن ان نعتبره جزء من الفن الشعبي ونطلق عليه “الفن الشعبي الرقمي” ؟!

فى أحد التدوينات التى نشرت على موقع Digital Trendكتبت كيت نبيز فى تدوينة(هل الميمز يعتبر فن البوب فى عصرنا؟) « يمكن للميمز ان يطمس الخط الفاصل بين المحتوى والفن،لكن بعض القطع التى تبدأ بالفن يمكن ان تاخذ فيما بعد صفات الميمز ، على سبيل المثال أصبح الكثير من أعمال بانكسي عنصر اساسياً فى صور الانترنت رغم انها تبدأ كفن شارع ونجدها فى الازقة ,على لوحات الاعلانات وعلى جانب المباني » الفقرة الثانية عشر




وفى الفقرة قبل الاخيرة فى التدوينة كتبت نبيز :

” تعتبر الميمز/الكوميك و ثقافة الانترنت ارض خصبة للشرارات الفنية، ومن غير الواضح ما اذا كانت الميمز تعتبر فنًا طبقاً لمميزاتها الخاصة، ولكن نظرا لعدم وجود معيار موضوعي فمن المستحيل اهمالها كنوع من الاعمال الفنية الرقمية الابداعية والقيمة في حدها الادني. هذه المنتجات ليست نخبوية او رنانة، انها من الناس و الي الناس، كنوع من ديموقراطية الفن دون الحاجة الي رخصة او قواعد فنية واسعة ”

وذكرت سيليفا مُزياني الحاصلة على ماجيستير فى الفنون الجميلة تخصص العلوم الانسانية الرقمية فى مقال لها بعنوان (ميمز الانترنت كفن ) « تتمتع الميمز بتنوع فريد فى الاسلوب والغرض ويرجع ذلك الى ان الميمز/الكوميك يمكن ان تكون صورة ,مقطع فيديو, صورة توضيحية او نص مستمد من العالم الحقيقي او الافتراضي , وفى كتاب ” A Literaccies Sampler” للباحثان ميشيل نوبل و كولين لانكشر يقترحوا بان هناك استخدمات مختلفة للميمز/الكوميك على سبيل المثال لا الحصر التعليم الاجتماعي,الدعاية والإعلان والنشاطية … » الفقرة الخامسة

وفى ورقة بحثية بعنوان(انه مجرد الإنترنت! الاعتمادات في فن ما بعد الانترنت) لإليسفا كريستو الحاصلة على الدكتوراه فى الفنون والحوسبة كتبت : « إن شبكة الإنترنت هي أكثر أرشفة لثقافتنا اكتمالاً وتوسعًا من أى وقت مضى مع كونها مخزن للاتصالات الثقافية في نفس الوقت. الأهم من ذلك هو أن شبكة الإنترنت المكان الوحيد الذي يمكن أن توجد فيه الثقافة الشعبية كثقافة شعبية يومية. يشير بن ها،مؤسس شبكة Cheeseburger إلى مدى السرعة التي أصبحت بها ثقافة الإنترنت جزءًا من المحتوى للجميع. ويقول: “في عام 2008 ، توقعنا أن ثقافة الإنترنت سوف تندمج مع ثقافة البوب. كانت الفكرة هي أن الميمز، الفيديوهات الشعبية ،والمحتوى المعاد مزجه سينتقل من الهامش إلى جزء لا يتجزأ من النظام اليومي كمحتوى كل شخص.» 2.3/ الفقرة الثانية

وفى جزئية اخرى من الورقة البحثية اضافت :

نحن نعلم الشعور حيال مشاركة دعابة خاصة ولكن انه فى حقيقة الامر ليس بخاصة بل تشير الى مراجع ثقافة الانترنت الشعبية والميمز التى سارت على نطاق عالمي كمستخدمين للإنترنت نقوم بإعادة إنتاج المحتوى الموجود ونسخه وتكراره والاقتباس منه والتعليق عليه وإعادة مزج المحتوى الحالي ، بحيث نكون مبدعين على المنصات الموجودة بالفعل. نتعلم أيضًا استخدام تطبيقات وتقنيات الإنترنت للإعلان والترويج والاتصال وإدارة وتنظيم حياتنا،ومع ذلك نحن كمستخدمين،زوار ومستهلكين ليس بالضرورة توفر إدراك مناسب لمحتوى الانترنت والتكنولوجيا.» 2.3/ الفقرة الثالثة

ويوجد كثير من الكتابات التى تطرقت بشكل كامل او جزئي لتناول العلاقة بين الميمز والفن عموما او بين الميمز وعلاقته بالفن الشعبي خصوصا بمختلف الانواع اذا كانت علمية ومبنية على مراجع او راى شخصي من مختص يحاول تفسير هذه العلاقة ، يجب الاشارة الى ان كلمة فن وارتبطها بكلمة ميمز/كوميك من وجهة نظري ليس لها علاقة صريحة بما يعنيه الفن البصري فى اذهاننا من لوحة لمنظر طبيعي خلاب اطرافه محوكة بإطار مطلي بمدة لامعة ومعلق على حائط وامامه مساحة ليست بقليل لا يمكنك تخطيها اذا احببت ان تطلع على اللوحة عن قرب ولكن الموضوع يتعلق اكثر بانه اداة للتعبير فى اطار بصري تم تنفيذه عن طريق اداوات يتم استخدامها من خلال المختصيين فى عملية اخراج عمل فني بما يعنينه فى اذهاننا

وللتوضيح ممكن ان نشير الى مثل شهير بذلك عندما يتم الرسم على احدى حوائط البيوت كعبة ،طائرة ،جمل ويصطحبها جملة ” حج مبرور وذنب مغفور , حمدلله على السلامة” هذا المحتوى البصري الذى تم تنفيذه فى بعض الاحيان من خلال شخص غير مختص – مع العلم بوجود اشخاص يطلق عليهم فنانون رسومات الحجاج يمتهنون هذا النشاط كمهنة- بأدوات يمكن لرسام ان يقوم باستخدمها لانتاج عمل فني ما كان الدافع وراء هذا المحتوى هو مجرد الترحيب بالحجاج بشكل جذاب ليس لطرحه كموضوع فني ليعرض فى معرض ويناقش من قبل النقاد والمختصين ، فمن هذه النقطة من الممكن ان نقيس هذا المثل الشهير على الميمز توصيفاً إلى ما تم طرحه من وجود عناصر تجعلنا أن نفكر فى إمكانية جزئية وإنتماء الميمز للفن الشعبي بمعنى ومفهوم متماشي مع التطورات فى العادات اليومية التى طرأت علينا نتيجة لتطور علاقتنا فى استخدمنا للانترنت .

*شكر واجب للمحرر والصحفي الاستقصائي أ/ محمد طارق

كتابة / إسلام علام

Comments

comments

Powered by Facebook Comments