في ١٩٦٩، الطبيبة النفسية إليزابيث كوبلر-روس نشرت نموذج لمراحل التعامل مع الفقد: إنكار، غضب، مساومة، اكتئاب، تقبّل. النموذج اتكتب أصلًا عن المرضى اللي بيواجهوا الموت، بس بعد كده اتستخدم في وصف أي فقد كبير — وظيفة، علاقة، هوية، مرحلة.
وأنا شايف إن العاملين بمجالنا التصميم والرسم والإعلان عدّى على نفس المراحل بالظبط خلال آخر تلات سنين. وإحنا دلوقتي في المرحلة الأخيرة.
خلينا نمشي عليهم واحدة واحدة، لأن فهم إحنا فين هو اللي بيحدد المفروض نعمل إيه.
المرحلة المرحلة الثانية: الغضب
بعدها بشوية.
حملات مقاطعة. هاشتاجات. بيانات موقّعة. جدل قانوني عن حقوق الملكية وعن الداتا اللي الموديلات اتدرّبت عليها. وكان أعلى صوت في الموجة دي هو صوت الرسامين وده منطقي تمامًا، لأنهم كانوا أول وأوضح ضحية.
مش زي المصمم اللي بيشتغل على تايبوجرافي وليّاوت ونظام بصري، الرسام حاجته الأساسية اللي بيتميز بيها هي الاستايل. سنين شغل عشان تبني بصمة يعرفها الناس من بعيد. وفجأة الاستايل ده بقى prompt. كلمتين وبيتقلّد.
الغضب هنا كان مشروع ومفهوم أخلاقيًا وقانونيًا. لكن الغضب مهما كان محقّ مش استراتيجية. المقاطعة ما وقفتش حاجة، والبيانات ما غيّرتش السوق. القضايا القانونية لسه ماشية، وحتى لو كسبت، هتنظّم الموضوع مش هتلغيه.
المرحلة الثالثة: الخوف
وبعد الغضب، جه الأصعب.
الخوف مش بيتقال بصوت عالي. مفيش حد بيكتب بوست عنوانه “أنا خايف”. الخوف بيظهر بشكل تاني:
- إنك تفتح اللاب توب وتقعد نص ساعة مش عارف تبدأ منين
- إن حسابك على إنستجرام مرفعتش عليه شغل بقاله شهرين
- إنك بتشوف شغل حد تاني وتقفل الشاشة بسرعة
- إنك بترفض بروجيكت مش عشان مشغول، لكن عشان مش عارف نفسك
- إن سؤال “هل لسه ليّا مكان؟” بيقعد في دماغك آخر الليل
ودي المرحلة اللي أكتر ناس اتعطّلت فيها. مش من قلة موهبة، من شلل.
المرحلة الرابعة: التقبّل — واحنا فيها دلوقتي
دلوقتي كله ساكت.
الضجيج قلّ، الهاشتاجات خفّت، والناس رجعت تشتغل. لكن السكوت ده مش سلام — ده اعتياد. كله عامل نفسه مش واخد باله إن ملايين من الناس العادية صحيوا لقوا إنهم يقدروا يعملوا صورهم باستايل أقوى الرسامين في العالم. في دقيقتين. ببلاش. من موبايلهم.
الحاجة اللي كانت محتاجة عشر سنين تدريب بقت متاحة لأي حد. ودي حقيقة مش هترجع لورا.
فإحنا في التقبّل. كويس. بس التقبّل مش نهاية القصة التقبّل هو أول نقطة تقدر تتحرك منها بذكاء.
طب ليه بقول إن دي “الفترة الذهبية”؟
دلوقتي الجزء اللي فعلًا مهم.
أنا مش بقول “ذهبية” على سبيل التفاؤل الفاضي أو الطبطبة. بقولها لأن فيه نافذة مفتوحة دلوقتي، ومش هتفضل مفتوحة كتير.
النافذة دي اسمها: فيه فرق واضح النهاردة بين اللي بيتحرك واللي واقف.
في أي تحول تكنولوجي، بيبقى فيه فترة قصيرة اللي بيتعلم فيها الأدوات الجديدة بدري بيبني فيها فارق ضخم عن غيره. الفترة دي مش بتطول. بعد سنتين تلاتة، الأدوات بتبقى بديهية، وكل الناس عارفاها، والميزة بتختفي.
إحنا دلوقتي جوه النافذة دي. عشان كده هي ذهبية.
والأهم: تغيّر الهدف
قبل كده، كان الهدف من شغلك إنك تثبت إنك فنان. البورتفوليو كان استعراض. “بصوا أنا بعرف أعمل كده.”
دلوقتي فيه هدف أهم وأبسط وأقسى: البقاء.
والفرق بين الاتنين ضخم في كل حاجة:
لما الهدف الاستعراضلما الهدف البقاءتقعد شهر على بوست واحدترفع أسبوعيًا وتتعلم من الأرقامتستنى لحد ما يبقى “مثالي”تنزل وتحسّن على الطريقتقيس نفسك بأشطر واحدتقيس نفسك بنفسك الشهر اللي فاتترفض الأدوات الجديدة عشان “مش أصيلة”تختبرها وتقرر بنفسكتخاف من النقدتدور على النقد بدري
تلات حاجات لازم تقف دلوقتي
١. وهم الكمال
ده أخطر حاجة بتأخرك.
الشغل اللي في الدرافت مش موجود. الشغل اللي في راسك مش موجود. الشغل اللي “لسه محتاج تعديل صغير” من تلات أسابيع مش موجود. الموجود هو اللي الناس شافته.
الكمال مش معيار جودة، الكمال شكل مهذّب من التسويف. بيدّيك مبرر محترم إنك متنزلش، ومحدش يقدر يلومك عليه لأنه شكله شغف بالتفاصيل.
القاعدة العملية: انشر عند ٨٠٪. الـ٢٠٪ الباقيين هتتعلمهم من رد فعل الناس، مش من قعدتك لوحدك قدام الشاشة.
٢. استني لحد ما تبقى جاهز
انزل استوديو. اقبل نمط شغل جديد. جرّب الأدوات اللي بترفضها.
الأدوات اللي بتستهزأ بيها النهاردة هتبقى الأساسيات السنة الجاية، والناس اللي اتعلمتها بدري هيكونوا بيتقاضوا فلوس عشان يعلّموها لغيرهم. ده مش تكهّن ده اللي حصل حرفيًا مع الفوتوشوب في التسعينات، ومع الديجيتال في الإعلان في ٢٠١٠، ومع السوشيال ميديا كمهنة.
في كل مرة، نفس السيناريو: مجموعة ترفض، مجموعة تتعلم، وبعد أربع سنين المجموعة التانية بتوظف الأولى.
٣. سؤال “هو شغلي حلو ولا وحش؟”
الرسايل دي لازم تقف.
مش لأن السؤال غلط في ذاته التقييم والفيدباك مهمين. لكن السؤال بيتسأل في التوقيت الغلط ولـالشخص الغلط:
- بيتسأل قبل النشر، والمفروض بعده
- بيتسأل لشخص واحد، والمفروض للسوق كله
- بيتسأل كطلب طمأنة، مش كطلب معلومة
لما تسأل صاحبك “شغلي حلو؟”، إنت مش بتدوّر على تقييم، إنت بتدوّر على إذن تنزل. وإنت مش محتاج إذن.
كفاية تردد وقلق. التردد بيستهلك من طاقتك أكتر بكتير من الشغل نفسه.
المجال بيتعمله Reshaping مش Update
خلينا نكون دقيقين في الكلمة.
اللي بيحصل مش تحسين لأدوات موجودة. ومش تحديث في طريقة الشغل. ده إعادة تشكيل كاملة لشكل المهنة نفسها.
اللي متوقع يحصل في السنتين الجايين:
- مسميات وظيفية هتختفي خصوصًا الأدوار التنفيذية البحتة اللي شغلها تنفيذ فكرة جاهزة
- مسميات جديدة هتظهر أدوار بتقف بين الفكرة والأداة، مش بين الفكرة واليد
- قيمة الـ execution هتنزل، وقيمة الـ direction هتطلع مين بيقرر شكل الحاجة أهم من مين بينفذها
- السرعة هتبقى ميزة تنافسية أكبر من الإتقان في نطاق معين
- العميل هيبقى عارف أكتر لأنه هو كمان بيستخدم نفس الأدوات، وده هيغيّر شكل التفاوض
اللي هيفضل مش أشطر واحد في الرسم. اللي هيفضل هو:
- الأسرع في التكيّف — مش الأذكى، الأسرع
- اللي عنده أفكار الأدوات متقدرش تجيبها الأدوات بتنفّذ، مش بتقرر
- اللي بيفهم البيزنس، مش بس الجماليات إيه اللي بيبيع، إيه اللي بيوصّل رسالة، إيه اللي بيبني علامة
- اللي بيبني حضور وسمعة، مش بس شغل الشغل الحلو المخفي مش بينفع
خطة عملية لباقي السنة
لو الكلام ده كله نظري بالنسبالك، خد ده:
الشهر الجاي: اختار أداتين من الجديد وابقى محترف فيهم مش تجربة سطحية، اشتغل بيهم شغل حقيقي لعميل حقيقي.
كل أسبوع: انزل شغل. مهما كان. حتى لو مش عاجبك. الاستمرارية بتبني حضور، والحضور بيجيب شغل.
كل شهر: ارجع لشغلك من ٣ شهور فات وقارن. ده معيارك الوحيد المفيد.
بشكل عام: بطّل تقارن نفسك باللي واصل، وابدأ تقارن نفسك باللي واقف. إنت مش بتتسابق مع أشطر واحد، إنت بتتسابق مع نسختك اللي متحركتش.
الخلاصة
مرينا بالإنكار، والغضب، والخوف، ووصلنا للتقبّل. والتقبّل مش استسلام التقبّل هو أول لحظة تقدر فيها تفكر بوضوح.
النافذة مفتوحة دلوقتي. اللي هيتحرك فيها هيبني فارق، واللي هيستنى هيلاقي إن الأدوات بقت بديهية والميزة راحت.
سيبك من وهم المثالية. سيبك من طلبات الطمأنة. انزل شغل. افتكروا كلامي.


Leave a Comment